ابن الجوزي
331
زاد المسير في علم التفسير
ولم يقل : جلود ، ومثله : كلوا في نصف بطنكم تعيشوا * فإن زمانكم زمن خميص وإنما جاز التوحيد ، لأن أكثر الكلام يواجه به الواحد . وقال غيره : اليمين راجعة إلى لفظ ما ، وهو واحد ، والشمائل راجعة إلى المعنى . قوله تعالى : ( سجدا لله ) قال ابن قتيبة : مستسلمة ، منقادة ، وقد شرحنا هذا المعنى عند قوله تعالى : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) وفي قوله تعالى : ( وهم داخرون ) قولان : أحدهما : والكفار صاغرون . والثاني : وهذه الأشياء داخرة مجبولة على الطاعة ، قال الأخفش : إنما ذكر من ليس من الإنس ، لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا الإنس في الفعل . قوله تعالى : ( ولله يسجد ما في السماوات . . ) الآية . الساجدون على ضربين . أحدهما : من يعقل ، فسجوده عبادة . والثاني : من لا يعقل ، فسجوده بيان أثر الصنعة فيه ، والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق ، هذا قول جماعة من العلماء ، واحتجوا في ذلك بقول الشاعر : بجيش تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر قال ابن قتيبة : حجراته ، أي : جوانبه ، يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت . فأما الشمس والقمر والنجوم ، فألحقها جماعة بمن يعقل ، فقال أبو العالية : سجودها حقيقة ، ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له ، ويشهد لقول أبي العالية ، حديث أبي ذر قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس ، فقال : " يا أبا ذر ! تدري أين ذهبت الشمس " قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : " فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل ، فتستأذن في الرجوع ، فيؤذن لها ، فكأنها قد قيل لها : ارجعي من حيث جئت ، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ، ثم قرأ : ( والشمس تجري لمستقر لها ) أخرجه البخاري ومسلم . وأما النبات والشجر ، فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء . أحدها : أن يكون سجودا لا نعلمه وهذا إذا قلنا : إن الله يودعه فهما . والثاني : أنه تفيؤ ظلاله . والثالث : بيان الصنعة فيه .